دنيا لكل ما هو جديد
 
التسجيلالتسجيل  الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخولدخول  التسجيلالتسجيل  

شاطر | 
 

 كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ملك الحاسوب
مدير عام المنتدى
مدير عام المنتدى
avatar

عدد الرسائل : 142
العمر : 41
الوظيفه : مهندس كمبيوتر
المزاج : الانترت والعمل فيه
رقم العضويه : 1
الأوسمه :
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

مُساهمةموضوع: كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره   السبت مارس 08, 2008 6:39 am

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، وعطائه الذي لا يستقصى، أحمده كما ينبغي لجلاله، وكريم عطائه، وعظيم سلطانه،

* وصلاة الله وسلامه ورحمته وبركاته على نبيه المصطفى وآله وصحبه *

اللهم يا عماد من لا عماد له ، ويا ذخر من لا ذخر له ، ويا حرز من لا حرز له ، ويا ناصر من لا ناصر له
ويا مؤيد قلوب العارفين ، ويا مستراح مذاهب المتوكلين ، ويا شاهد مجالس الخائفين
ويا مقيل عثرة العاثرين ، يا أرحم الراحمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أحبابي في الله قرأت لكم هذا الكتاب فوجدت هذا الكتاب يشتمل على أربعين حديثاً من جوامع كلم نبينا المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وقد شرحها رضي الله عنه ناظراً إليها بعين البصيرة التي يمن الله تعالى بها على من يشاء من عباده فكان هذا الذي إذا تأمله المتأمل تذكر قول الله تعالى (( يؤتى الحكمة من يشاء ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب )) وعرف أن أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم لها معان ظاهرة يدركها أهل العلم الظاهر ولها معان ٍ باطنة يصل إليها من استنار قلبه وصفا من كدورات الدنيا وشهواتها الفانية0

وسأقوم بنقل هذا الكتاب على بركة الله تعالى حديثاً حديثاً في أسرع وقت ممكن إن شاء الله تعالى لكي يتسنى للإخوة الأحباب أهل القرب والرضى قراءته واستنباط العبر منه فيا أخي في الله تأمل في هذة الكلمات التي سوف تقرأها بعين الفكر والفطنة ولن تخسر إذا طبقت ما فيه والله الموفق لما يحبه ويرضى


والآن يا سادة إليكم نص الكتاب وهو

كتاب حالة أهل الحقيقة

مع الله عز وجل

للقطب الكبير

سيدي أحمد الرفاعي

رضي الله عنه

512- 578 هـ

مقدمة صاحب الكتاب رضي الله عنه


الحمد لله حمداً نصلُ به إلى كشف الحجاب ، ونعَدَُ به من الأحباب ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ، ونشهدُ أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، وحبيبه وصفيُّهُ ، وخيرتُهُ مِنْ خلقه ، بعثه الله بالنورِ السّاطع ، والبيان اللامع ، والسيف القاطع ، فبلّغ الرسالة ، وأدّى الأمانة ، وأوضح السنّةَ ، وأسّس الشريعة ، ونصح الأمة ، وعَبَدَاللهَ حتى أتاه اليقين ، فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد فهذه جُمَلٌ نذكر فيها (حالة أهل الحقيقة مع الله) ، ولا حول ولا قوةَإلا بالله ، وذلك لترتاض النفوس ، ولتتروّح القلوبُ بنسبة ما ألفت إليه، وإلا فمنبعنا وقتي ، وثريدنا طريّ ، من مائدة النبي صلى الله عليه وسلم، بالتنزُّل الإلهي ، ما فيه قَديد.


الحديث الأول

[السبيل إلى الإيمان؟ ]


حدثنا الشيخ الإمام المُقْري القاضي الثقة ، علي أبو الفضل الواسطي بمدرسته في واسط ، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن علي بن المهذّب ، قال: أنبأنا أبو بكر أحمد ابن جعفر القطيعي ، قال: أنبأنا عبدالله بن أحمد بن حنبل ، قال: حدثني أبي ، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد بن الليث بن سعد ، عن ابن الهادي ، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث ، عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً)) ، وهذا الذوق المنبعث عن هذا الرضا هو المعرفة بالله تعالى . والمعرفة نورٌ أسكنه الله تعالى قلب من أحبه من عباده ، ولا شي أجل وأعظم من ذلك النور ، وحقيقة المعرفة حياة القلب بالمُحيي (أوَمَن كان مَيتاً فأحييناه) وقال تعالى : (ليُنذر من كان حياً)، وقال تعالى (فلنُحييّنه حياةً طيبة)، وقال: سبحانه : (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم)، فمن ماتت نفسه ؛ بعدت عنه دنياه ، ومن مات قلبه بعد عنه مولاه ، وسُئل ابن السماك: متى يعرف العبد أنه على حقيقة المعرفة ؟ قال: إذا شاهد الحق بعين اعتباره فانياً عن كل من سواه، وقيل: المعرفة فقدان رؤية ما سواه ، بحيث يصير ما دون الله تعالى عنده أصغر مِن خردلة ، قال تعالى: (قل الله ثم ذَرْهُم) ، مَن نظر إلى الله تعالى لم ينظر لا إلى الدنيا ولا إلى العقبى ، وشمس قلب العارف أضوأ من شمس النهار ، وأبهج منها في مطلع الأنوار.

طلعتْ شمسُ من أحَبّكَ ليلاً = فاستنارتْ فمـا لديها غروبُ
إنّ شمسَ النهارِ تغربُ ليلا = وشموسُ القلوبِ ليست تغيبُ
2
طلعتْ شمسُ من أحَبّكَ iiليـلاً
فاستنارتْ فما لديها غـروبُ
إنّ شمسَ النهارِ تغربُ ليـلا
وشموسُ القلوبِ ليست تغيبُ
قال ذو النون: إطلاع الحق سبحانه على الأسرار بمواصلة المدد ، كإطلاع الشمس على الأرض بإشراق الأنوار ، فعليكم بتصفية القلوب ، فإنها مواضع نظره ، ومواطن سره ، فإن من عرف الله لا يختار غيره حبيباً سواه ، وفي الخبر: "إن الله تعالى خلق الخَلْقَ في ظُلمة ، ثم ألقى عليهم شيئاً من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضلَّ وغوى" وهو نور يخرج من سرادق المِنّة ، فيقع في القلب ، فيستنيرُ به الفؤاد ، ويبلغ شعاعه إلى حُجُب الجبروت ، ولا يحجبه عن الحق الجبروت ، ولا الملكوت ، فيصير العبد في جميع أفعاله وأقواله وحركاته وإرادته في حياته ومماته صائراً إلى النور، (الله نور السموات والأرض) (يهدي الله لنوره من يشاء).

إن كنتَ لستَ معي فالذكرُ منك معي = قلبي يراكَ وإن غُيِّبْتَ عن بصري

إن كنتَ لستَ معي فالذكرُ منك معي
قلبي يراكَ وإن غُيِّبْتَ عن iiبصـري

((معرفة الله تعالى ))

قال يحيى بن معاذ: المعرفةُ قربُ القلب إلى القريب ، ومراقبة الروح للحبيب ، والانفراد عن الكل بالملك المجيب ، وقال ذو النون: هي تخلية السر عن كل إرادة ، وترك ما عليه العادة ، وسكون القلب إلى الله بلا علاقة. وقال بعضهم: هيئتها جنون ، وصورتها جهل ، ومعناها حَيْرة ؛ فإن العارف يشغله علم الله تعالى عن جميع الأسباب ، فإذا نظر إليه الخَلْق استجهلوه ، ويكون أبداً في ميدان العظمة ولِهاً بين الخَلْق ، فإذا رأوه استجنُّوه ، ويكون بكلّيته فانياً بحب جلال عظمته تعالى ، مشغولاً عن مَن سواه ، فإذا أبصروه استدهشوه ، ولا يقدر أحد أن يُخبِر عن المعرفة بالله تعالى ، فإنها منه بَدت وإليه تعود . فالعارف فانٍ تحت اطِّلاع الحق تعالى ، باقٍ على بساط الحق بلا نفس ولا سبب ، فهو ميّتٌ حي ، وحيٌّ ميّت ، ومحجوبٌ مكشوف ، ومكشوفٌ محجوب ، تراه والهاً على باب أمره ، هائماً في ميدان برّه، مدْلالاً تحت جميل ستره ، فانياً تحت سلطان حكمه ، باقياً على بساط لُطفه . العارفون صارت أنفسهم فانية تحت بقائه وسلطانه عن كل حول وقوة ، تراهم باقين بحوله وقوته ، متلاشين عن كونهم وأسبابهم تحت جلال ألوهيته ، ملوكاً به دون مملكته ، فقرهم به وغناهم به ، وعزّهم به وذلّهم به.

(( المعرفة الحقة ))

يُروَى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود اعرفني واعرف نفسك. فتفكّر داود فقال: إلهي عرفتك بالفردانية والقدرة والبقاء ، وعرفت نفسي بالعجز والفناء. فقال : الآن عرفتني. وروي في الخبر: لو عرفتم الله تعالى حق معرفته لعلمتم العلم الذي ليس بعده جهل ، ولزالت الجبال بدعائكم مع أنه لا ينتهي أحد ولا يبلغ منتهى معرفته أن الله تعالى أعظمُ من أن ينتهي أحد إلى منتهى معرفته.
(وقال الإمام جعفر الصادق عليه الرضوان والسلام) : لا يعرف الله حق معرفته من التفت منه إلى غيره ، المعرفة هي طيران القلب في سرادق الأُنس والألفة ، جوّالاً في حُجُبِ الجلال والقُدرة ، وهذه حالة من صُمَّت أذناه عن البطالات ، وعميت عيناه عن النظر إلى الشهوات ، وخرس لسانه عن التكلم بالتُّرُّهات0

(وقيل لأبي يزيد رحمه الله تعالى ) ترى الخلقَ ، قال: به أراهم ، وسُئل محمد بن واسع هل عرفت ربك فسكت ساعةً ثم قال : من عرف الله تعالى قلَّ كلامُهُ ، ودام تحيُّره ، وفني عن صور الأعمال ، وتحيّر مع الاتصال ، مُتقرِّباً في جميع الأحوال ، منقطعاً عن الحال إلى وليّ الحال ، فإن الأمور بحقائقها لا بالحسِّ وصورها.

قال أبو يزيد رحمه الله تعالى: ليس على تحقيق بالمعرفة ، من رضي بالحال دون ولي الحال . فإن من عرف الله كَلَّ لسانُه ، ودهش عقله . العارف إن تكلم بحالِه هَلَكْ، وإن سكت احترق . قال أبو بكر الواسطي: المعرفة على وجهين: معرفة الإيقان ، ومعرفة الإيمان ، فمعرفة الإيمان شهادةُ اللسان بتوحيد المَلِك الديّان ، والإقرارُ بصدق ما في القرآن ، وأما معرفة الإيقان فهي دوام مشاهدة الفرد الديّان بالجَنان ، وقال بعضهم : هي على ضربين :

الأول هو أن يعرف أن النعمة من الله تعالى ، قال الله تعالى (وما بكم من نعمةٍ فمن الله) فيقوم بشكره ، فيستزيد به النعمة من الله بدليل قوله تعالى : (لئن شكرتم لأزيدنكم)

والثاني رؤية المُنعِم من غير أن يلتفت إلى النعمة فيزيد شوقه إلى المُنعِم ، ويقوم بحق معرفته ومحبته ، وذلك قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله) ، (فإن تولّوا فقل حسبي الله)

وقال ذو النون المصري: هي على ثلاثة أوجه :
أولها معرفة التوحيد ، وهي لعامة المؤمنين :
والثاني معرفة الحُجّةِ والبيان ، وهي للعلماء والبلغاء والحكماء 0
والثالث معرفة صفات الفردانية ، وهي لأهل ولاية الله تعالى وأصفيائه الذين أظهر الله لهم ما لم يُظهر لمن دونهم ، وأعطاهم من الكرامات ما لم يجز أن يوصف ذلك بين يَدَيْ مَن لا يكون أهلاً له ؛ خصّهم الله من بين الخلائق واصطفاهم لنفسه واختارهم له ، فحياتهم رحمة ومماتهم غبطة ، طوبى لهم .

وقال غيره: هي على وجهين :
معرفة التوحيد ، وهو إثبات وحدانية الواحد القهّار 0
ومعرفة المزيد ، وهي التي لا سبيل لأحد إليها .

(( التوحيد والتجريد والتفريد ))

أقول: هي كشجرةٍ لها ثلاثة أغصان توحيد وتجريد وتفريد 0
فالتوحيد بمعنى الإقرار 0
والتجريد بمعنى الإخلاص 0
والتفريد بمعنى الانقطاع إليه بالكلية في كل حال .
وأول مدارج المعرفة التوحيد ، وهو قطع الأنداد، والتجريد ، وهو قطع الأسباب ، والتفريد وهو بمعنى الاتصال بلا سير ولا عين ولا دون ، ولها خمس طرائق. أولها : الخشية في السر والعلانية 0
والثانية: الانقياد له في العبودية 0
والثالثة : الانقطاع إليه بالكليّة 0
والرابعة : الإخلاص له بالقول والفعل والنيّة 0
والخامسة: المراقبة في كل خطرة ولحظة.

وحكي عن عبدالباري قال: خرجت مع أخي ذي النون فإذا نحن بصبيان يرمون واحداً بالحجارة ، فقال لهم أخي: ما تريدون منه ؟ قالوا: هذا رجلٌ مجنون ، ومع ذلك يزعم أنه يرى الله تعالى ، قال: فدنونا منه ، فإذا هو شابٌ وسيم ، ظهر عليه سيما العارفين ، فسلَّمنا عليه ، وقلنا: إنهم يزعمون أنك تدَّعي رؤية الله تعالى ، فقال: إليك عني يا بطّال، لو فقدته أقل من طرفةِ عينٍ لَمُتُّ من ساعتي ، وأنشأ يقول:

طَلَبُ الحبيبِ مــن الحبيبِ رضاهُ = ومُنى الحبيبِ من الحبيبِ لقاهُ
أبـــــداً يلاحِظُـــــه بعَيني قلبــــــهِ =والقـلبُ يعـرفُ ربَّهُ ويــــراهُ
يرضَى الحبيبُ من الحبيبِ بقربه =دونَ العبادِ ، فما يريدُ سِــواهُ

طَلَبُ الحبيبِ من الحبيبِ iiرضاهُ
ومُنى الحبيبِ من الحبيبِ لقـاهُ
أبـداً يلاحِظُـه بعَينـي iiقلبـهِ
والقلـبُ يعـرفُ ربَّـهُ iiويـراهُ
يرضَى الحبيبُ من الحبيبِ بقربه
دونَ العبادِ ، فما يريـدُ iiسِـواهُ

فقلت له: أمجنون أنت ؟ فقال: أمّا عند أهل الأرض فنعم ، وأما عند أهل السماء فلا ، قلتُ: فكيف حالك مع المولى ؟ فقال : منذ عرفته ما جفوته ، فقلت منذ كم عرفته ؟ قال: منذ جعل اسمي في المجانين.
يتبع بعون الله تعالى 00000
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الطيبين الطاهرين
وارضَّ اللهم عن القائمين على هذا المنتدى المبارك عامة وارضَّ اللهم عن خادم هذا المنتدى خاصة وارزقه الصلاح والفتوح من عندك إنك علام الغيوب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


عدل سابقا من قبل ملك الحاسوب في السبت مارس 08, 2008 6:43 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.bbgraf.com
ملك الحاسوب
مدير عام المنتدى
مدير عام المنتدى
avatar

عدد الرسائل : 142
العمر : 41
الوظيفه : مهندس كمبيوتر
المزاج : الانترت والعمل فيه
رقم العضويه : 1
الأوسمه :
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره   السبت مارس 08, 2008 6:42 am

الحديث الثاني

[ الكيِّس والعاجز ]


أخبرنا شيخنا الإمام المُقري القاضي أبو الفضل علي الواسطي بمدرسته بواسطٍٍ ، قال: أنبأنا الشريف النقيب أبو الفوارس طرادُ بن محمد بن علي الزينبي ، قراءة عليه ونحن نسمع ، قال : أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد قال : أنبأنا أبو علي الحسين بن صفوان قال: أنبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، قال: أنبأنا الهيثم بن خارجة ، قال: أنبأنا بقية بن الوليد عني أبي بكر بن أبي مريم قال: حدثني حمزة بن جندب ، عن أبي يعلى شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الكيِّسُ مَن دانَ نفسه وعَمِلَ لِما بَعْدَ الموت ، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله) فالعمل بسرِّ هذا الحديث ، هو المعرفةُ . نعم ، إن المعرفة من العبد والتعريف من الرب تعالى ، وهي أشرف وأعظم الهدايا التي يُهديها إلى عباده ، فإن الله تعالى إذا أراد أن يختار عبداً من عبيده ويفضّله على من سواه من خَلْقِه، ويطْلِعَ في سِرّه شمسَ المعرفةِ ينظر إليه بعين الفضل والرحمة ، ويفتح له أبواب الهداية ثم يكرمه بالانتباه ، ويوقظه من نومة الغافلين ، ويُنعم ويمُنَّ عليه بشرح القلب ، ويُذهب عنه موت القلب بالفهم ، ويذهب عنه الوهم ، ويُكرِمه بالحياء والخوف واليقين ، ويُذهب عنه الشك وجراءة
الأمن ، فإذا اجتمعت في العبد هذه الخصال ، أشرق فؤاده بنور، فيرى ما دون حُجُبِ الجبروت ، وتشتاق إليه الجِنان ، ويخمد منه لهباتُ النيران ، ولو أن المعرفة نقشت على شيء ما نظر إليها أحد إلا مات مِن حسنها وجمالها ، لكل أحد رأس مال ، وهي رأسُ مال المؤمن .
وقال رجل لذي النون : إنّي لأحبك ، فقال : إن كنتَ عرفتَ الله فحسبك الله ، وإن لم تعرفه فاطلب مَن يعرفه حتى يدلك عليه .
(( المعرفة شجرة طيبة ))
وعندي أن المعرفة كشجرة يغرسها ملكٌ في بستانه ، ثمينةٍ جواهرها ، مثمرةٍ أغصانها ، حلوةٍ ثمارها ، طريفةٍ أوراقها ، رفيعةٍ فروعها ، نقية أرضها ، عذب ماؤها ، طيّب ريحها . صاحبها مشفقٌ عليها لعزّتها ، مسرورٌ بحسن زهرتها ، يدفع عنها الآفات ، ويمنع عنها البليّات ، وكذلك شجرةُ المعرفة التي يغرسها الله تعالى في بستان قلب عبده المؤمن ، فإنه يتعهّدُها بكرمه ، ويرسل عليها كل ساعة سحائبَ المِنّةِ من خزائن الرحمة ، فيُمطر عليها قطراتِ الكرامة ، برعد القُدرة ، وبرق المشيئة ، ليطهِّرها من غُبارِ رؤية العبوديةِ ، ثم يُرسِل عليها نسيمَ لطائف الرأفة ، مِن حُجُبِ العناية ، ليتمّ لها شرف الولاية بالصّيانة والوقاية ، فالعارف أبداً يطوفُ بسِرّه تحت ظلالها ، ويشمُّ من رياحينها ، ويقطع منها بِمنْجل الأدب ما فسد من ثمارها ، وحلَّ فيها من الخبث والآفة ، فإذا طال مقام سِرّ العارفِ تحتها ، ودام جولانه حولها ، هاج أن يتلذذ بثمارِها ، فيمدّ إليها يد الصفاء ، ويجتبي ثمارَها بأناملَ الحُرمةِ ، ثم يأكلها بفم الاشتياق ، حتى تغلبه نارُ الاستغراق ، فيضرب يدَ الانبساط إلى بحر الوداد ، ويشرب منه شربةً يسكر بها عن كل ما سوى الحقّ سكرةً لا يُفيق منها إلا عند المعاينة ، ثم يطير بجناح الهِمّة ، إلى ما لا تدركه أوهام الخلائق .
وقيل للواسطي : أي الطعام أشهى ؟ قال: لُقمةٌ مِن ذِكر الله تعالى ، تُرفَعُ بيد اليقين ، من مائدة الخُلْدِ ، عند حُسن الظّن بالله تعالى .
قال النساج : يخرجُ أكثر أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا طيباتها المقصودة ، قيل: وما هي ؟ قال: سرورُ المعرفة ، وحلاوةُ المِنّة ، ولذائذُ القُربة ، وأنسُ المحبّة .
وقال محمد بن واسع : حُقَّ لمن أعزّه الله بمعرفته أنْ لا يُذِلّ نفسه لغيره ، وحُقَّ لِمَنْ والاه الله بولايته أن يقوم بحقه ، وحُقَّ لمن أكرمه الله بصحبته أن لا يميل إلى غيره، ولا يعمل بهوى نفسه .
وقال أبو يزيد: إن في الليل شراباً لقلوب العارفين ، تطيرُ به قلوبهم حبّاً لله وشوقاً إليه، ألا إنّ الناظرين إليه لا إلى غيره ذهبوا بصفوةِ الدنيا والآخرة .
(ربي : زدني فيك تحيرا)أقول: وهذا الشراب هو التحيُّر ، وهو على ضربين : تحير وَحشة وتحير دَهشة ، فتحيُّرُ الوحْشةْ للمطرودين ، وتحيُّرُ الدهشةِ للعارفين المشتاقين ، يا دليل المتحيرين زدني تحيُّراً.

يتبع بعون الله تعالى0000



وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الطيبين الطاهرين
وارضَّ اللهم عن القائمين على هذا المنتدى المبارك عامة وارضَّ اللهم عن خادم هذا المنتدى خاصة وارزقه الصلاح والفتوح من عندك إنك علام الغيوب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.bbgraf.com
ملك الحاسوب
مدير عام المنتدى
مدير عام المنتدى
avatar

عدد الرسائل : 142
العمر : 41
الوظيفه : مهندس كمبيوتر
المزاج : الانترت والعمل فيه
رقم العضويه : 1
الأوسمه :
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره   السبت مارس 08, 2008 6:44 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



نتابع وإياكم كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله



الحديث الثالث

[الإيمان في القلب]


أخبرنا العبد الصالح الثقة الشيخ أبو محمد بن عبدالله بن الحسين بن أحمد بن جعفر الآمديُّ الواسطيّ ، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن كاتب الوقف بواسط ، قال: أنبأنا أبوالحسن محمد بن علي الرواسي إملاءً بجامع واسط ، قال: أنبأنا أبو القاسم عبيدالله بن تميم ، قال: أنبانا أحمد بن إبراهيم الإمام ، قال: أنبأنا علي بن حرب بن زيد بن الحباب ، قال: أنبأنا علي بن مَسْعدة الباهلي ، قال: أنبأنا قُتادة ، أنه سمع أنس بن مالك يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام علانيةٌ والإيمانُ في القلب والتقوى ها هُنا" ، يقولها ثلاثاً ويشير بيده إلى صدره صلى الله عليه وسلم ، والتقوى التي تقرُّ في القلب ، فتُحْكِم فيه الإيمان ، هي روح المعرفة .
أي سادة ، إن الله تعالى جعل لكل شيء قَدْراً ، ولكل قَدْرٍ حدّاً ، ولكل حد سبباً ، ولكل سبب أجلاً ، ولكل أجل كتاباً ، ولكل كتاب أمراً ، ولكل أمر معنى ، ولكل معنى صدقاً ، ولكل صدق حقا ، ولكل حق حقيقة ، ولكل حقيقة أهلاً ، ولكل أهل علامة ، فبالعلامة يُعْرَفُ المحقّ من المُبطل ، وكل قلب أقعده على بساط تحقيقِ المعرفة ، وقع بسيماء المعرفة على وجهه ، ويظهر أثرها في حركاته وأفعاله وأقواله ، كما قال الله تعالى: (تَعْرِفُهُم بِسِيماهمْ)، وقال صلى الله عليه وسلم : " من أسرَّ سريرة ألبسه الله رداءها ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر".
(الصالحون أحسن الخلق وجوها)
وقيل ليحيى بن معاذ : ما بال العارفين أحسن وجوهاً ، وأكثر هيبةً مِنْ غيرهم ؟ فقال: لأنهم خلوا بالله مستأنسين ، وقربوا إلى الله متوجهين ، وفزعوا إليه متوالهين فكساهم الله بنور معرفته ، فيه ينطقون ، وله يعملون ، ومنه يطلبون ، وإليه يرغبون ، أولئك خواصّ الله السابقون ، سعيهم في طاعة الله من غير علاقة ، وينصحون العامة من غير طمع ، مشتاقون منيبون إلى الله تعالى ، قلوبُهم له وجِلة ، نفوسُهم وحشية وقلوبهم عَرْشية ، وعقولهم مغشيّة ، وأرواحهم ياسينية ، كلهم معصومٌ بلقبه عن فتنة الناس ، وذِكرُ الله يحميه من شر الوسواس ، صدره مشروح ، وجسمه مطروح ، وقلبه مجروح ، وباب الملكوت له مفتوح ، قلبُه مثل القنديل ، وجوارحه خاضعة كالمنديل ، لسانه مشغولٌ بتلاوة القرآن ، ولونه مُصفَرٌّ من خوف الهجران ، ونفسه ذائبةٌ في خدمة الرحمن ، وقلبه زاهرٌ بنور الإيمان ، نفسُه مشغولةٌ بالطلب ، وروحُهُ مشغولةٌ بقُرب الرب ، على لسانه وصف الربوبية ، وعلى أركانه خدمةُ الديمومية ، وعلى نفسه أثرُ العبودية ، وفي قلبه هيبة الفردانية ، وفي سِرِّه الطربُ بالألوهية ، وفي روحه شغف الوجدانية 0
(تعليق العارفين بالحق سبحانه)
أفواهُهُم إليه ضاحكة ، وأعينهم نحْوَه طامحة ، وقلوبُهم به متعلقة ، وهمومُهم إليه واصلة ، وأسرارُهم إليه ناظرة ، رَمَوْا ذنوبهم في بحر التوبة ، وطرحوا طاعاتهم في بحر المِنّة ، وضمائرهم في بحر العظم ، ومرادهم في بحر الصفو ، وهممهم في بحر المحبة ، في ميدان خدمته يتقلّبون ، وتحت ظلال كرمه
يتنفسون ، وفي رياض رحمته يرتَعُون ومن رياحين امتنانه يشمّون . ينظرون إلى الدنيا بعين الاعتبار ، وإلى الآخرة بعين الانتظار ، وإلى أنفسهم بعين الاحتقار ، وإلى طاعتهم بعين الاعتذار لا الاستكثار ، وإلى الغفران بعين الافتقار ، وإلى المعرفة بعين الاستبشار ، وإلى المعروف سبحانه بعين الافتخار . يرمون أنفسهم إلى البلوى ، وأرواحهم إلى العقبى ، وقلوبهم إلى النجوى ، وأسرارهم إلى المولى. أنفسهم تاركةٌ للدنيا ، وأرواحهم للعقبى ، وقلوبهم مستأنسة بالذكرى ، وأسرارهم بحب المولى . قلوبهم معدن التعظيم والهيبة ، وألسنتهم معادن الحمد والمِدْحة ، وأرواحهم مواطن الشوق والمحبة ، وأنفسهم مقهورة تحت سلطان العقل والفطنة ، وأكثر همتهم التفكير والعبرة ، وأكثر كلامهم الثناء والمِدْحة . عملهم الطاعة والخدمة ، ونظرهم إلى لطائف صنع رب العِزّة . أحدهم تراه مُصْفرّاً من خوف فراقه ، ذائبَ الأطراف من هيبة جلاله ، طويل الانتظار شوقاً إلى لقائه ، سلك طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ورمى الدنيا خلف القفا ، وأذاق الهوى طعم الجفا ، وقام على قدم صدق الوفا 0
(حال الحبيب مع سيده)
حاله في الدنيا غريب ، وقلبه في صدره غريب ، وسرُّه في نفسه غريب ، فلا يستريح من غَمّ الغُرْبة ووَحْشَتها ، ما لم يصل إلى الحبيب ، فأمره عجيب ، والمولى له طبيب ، وكلامه وجدانيّ ، وقلبه فردانيّ ، وعقله ربّاني ، وهمه صمَداني ، وعيشُه روحاني ، وعمله نوراني ، وحديثه سماوي . جعل الله قلبه موضع سره وموطن نظره ، وزيّنه بحُلِيّ ربوبيته ، وأدخله دار الإمارة من سلطانه ، يدور بالفؤاد حول عزّته ، ويرتع في روضات قُدْسه ، ويطير بجناح المعرفة في سرادقات غيبه ، ويجول في ميادين قدرته ، وحُجُبِ جبروته ، لو رآه الجاهل بشأنه مات فزعاً بعد معرفته له من ساعته . علامَتُه في الدنيا أن يكون البلاءُ عنده عسلاً ، والأحزان رطباً . وفي الآخرة كل واحد يقول : نفسي نفسي ، وهو يقول : ربّي ربّي ، مُرادي مرادي .
(من علامات العارف)
العارف علامته أربعة : حبُّهُ الجليلَ ، وتركه الكثيرَ والقليل ، واتّباعُه التنزيل ، وخوفه من التحويل . العابدُ ذو نَصَب ، والخائف ذو هَرب ، والمحب ذو شَغَب ، والعارف ذو طرب .


يتبع بعون الله تعالى0000



وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الطيبين الطاهرين
وارضَّ اللهم عن القائمين على هذا المنتدى المبارك عامة وارضَّ اللهم عن خادم هذا المنتدى خاصة وارزقه الصلاح والفتوح من عندك إنك علام الغيوب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.bbgraf.com
ملك الحاسوب
مدير عام المنتدى
مدير عام المنتدى
avatar

عدد الرسائل : 142
العمر : 41
الوظيفه : مهندس كمبيوتر
المزاج : الانترت والعمل فيه
رقم العضويه : 1
الأوسمه :
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره   السبت مارس 08, 2008 6:46 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



نتابع وإياكم كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله



الحديث الرابع

[ صاحب الوجهين]


أخبرنا شيخنا الولي التقي الثقة المُقْري القاضي أبو الفضل علي الواسطي القرشي بمدرسته في واسط ، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد ، قال: أنبأنا علي أبو طاهر الحسن بن الوزير أبي القاسم علي بن صدقة بن علي ، قال: أنبأنا أبو المطهَّر سعد بن عبدالله الأصبهاني ، قال: أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الحافظ ، قال: أنبأنا أبو محمد عبدالله بن جعفر بن فارس ، قال: أنبأنا أبو مسعود أحمد بن الفرات ، قال: أنبأنا أبو داود الحضري ، قال: أنبأنا ابن الربيع عن نعيم بن حنظلة ، عن عمار بن ياسر رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذو الوجهين في الدنيا ذو لسانين في النار) ولهذا صرف العارفون وجوههم إلى الله تعالى فلن ترى للعارف وجهين أصلاً ومن هذا السر أُمروا بعدم الجمع بين أستاذين ، وقالوا: إذا وُجد الأكمل الأفضل في طريق الله تعالى ، الأصح اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى المريد أن يتمسك به ، بل على كل مَنْ كان يزعم المشيخة أن يلتحق به هو وأولاده في الطريق، وهذا ضربٌ من أعظم أضراب المعرفة بالله
(جملة من أحوال العارفين )
أي سادة ، اعلموا أن العارفين على أصناف مختلفة ، ومناهج متفاوتة ، ومراتبَ متلوّنة ، وأنواعٍ متفرقة ، ومنازلَ متنوعة 0
فمنهم مَنْ عرف الله بالقَدْرِ فخافه 0
ومنهم من عرفه بالفضل فأحسن الظن به 0
ومنهم مَنْ عرفه بالمراقبة فاعتقد الصدق 0
ومنهم من عرفه بالعظمة فاعتقد الخشية 0
ومنهم مَنْ عرفه بالكفاية فاعتقد الافتقار إليه0
ومنهم من عرفه بالفرادنية فاعتقد الصَّفوة 0
ومنهم مَنْ عرفه به فاعتقد الوصلة 0
فوُجِدَ أن الخوف على قدر عرفان القدرة ، ووُجْدان حسن الظن على قدر عِرْفان العظمة ، ووجدان الافتقار على قدر عرفان الكفاية ، ووجدان الصَّفوة على قدر عرفان الفردانية ، ووجدان الوصلة على قدر عرفان الربِّ تعالى ، وكذلك أهل السموات في العبادة على مقامات ، فمقام بعضهم الحياءُ والحُرْمة ، ومقام بعضهم القُرْبةُ والمُؤَانسة ، ومقام بعضهم رؤيةُ المِنَّة ، ومقام بعضهم المراقبة ، ومقام بعضهم الهيبة ، كما قال الله تعالى: ( وما مِنّا إلا له مقامٌ معلوم)، فأهل المعرفة عامَّتُهم يعرفونه على سبيل الخبر في التوحيد عن الصادق الأمين ، سيدنا وسيد العالمين محمد صلى اللهُ عليه وسلم ، فصدَّقوه بقلوبهم وعملوا بأبدانهم ، إلا أنهم دنَّسوا أنفسهم بالذنوب والمعاصي ، فعاشوا في الدنيا على الجهل والتقصير ، فهم على خطرٍ عظيم ، إلا أن يرحمَهم أرحمُ الراحمين ، وأناسٌ فوقهم يعرفونه بالدلائل ، وهم أهل النظر والعَقْل والفِكْر ، أيقنوا بالتوحيد من قِبَلِ الدلائل والآثار وآيات الربوبية ، استدلوا بالشاهد على الغائب ، واستيقنوا صحّة الدلالة ، فهم على طريق حسن ، إلا أنّهم عاشوا محجوبين عن الله تعالى برؤية دلائلهم ، وخواصُّ أهل المعرفة من أولي اليقين ، عرفوه به سبحانه ، فوقفوا متمكِّنين مع معرفتهم ، لا تَخْطَفُهم الأدلّة ، ولا تصرفهم العِلّة ، دليلهم رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم ، وإمامُهم القرآن ، ونورهم يسعى بين أيديهم ، فمن عرفه تعالى بالخبر ، كمَثَلِ إخوة يوسف ، إذ عرفوا لونه وغفلوا عنه حتى افتضحوا بين يديه ، حيث: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل) ومن عرفه بالدلائل كمَثَلِ يعقوب ، إذ عرف أن يوسف يُعَدُّ في الأحياء فازداد حُزناً وبكاء ، واحتمل ما احتمل من أنواع البلاء ، حتى ابيضَّت عيناه من الحزن عِلْماً منه بحياته ، وشوقاً إلى لقائه ، حتى قال: (اذهبوا فتحسَّسُوا من يوسف)، وقال: (إنّي لأجد ريحَ يوسف) ، حتى قال مَنْ غفل عنه : (قالوا تاللهِ إنَّكَ لفي ضلالِكَ القديم) وقالوا: (تفتُأ تذكُرُ يوسُفَ حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين) الآية ، ومَثَلُ مَنْ عرفه به ، كبنيامين حين أخذه يوسف لنفسه ، فقال: يا أخي أمشاهدتي تريد أم الرجوع إلى أبيك؟ قال: بل مشاهدتك أريد ، قال: فإن أردتني فاصبر على مِحْنتي ، قال: نعم أحتمل لأجلك كل بلوى ، أليس أني أبقى معك ولا أفارقك ، ثم أخرج الصاعَ من وعائه ، ونسبه إلى السَّرِقة، حتى عابه أهلُ مصر على ذلك ولاموه ، وشتمه إخوته ، وهو في ذلك كلِّه مسرورٌ ضاحكٌ في سِرِّه ، ولم يَخَفْ من لومة اللائمين ، فهذا مَثَلُ مَنْ عرفه من أهل اليقين .
(أصناف الرجال)
وقال شيخ الطائفة الإمام الحسن البصري رضي الله عنه: أهل المعرفة في الدنيا على ثلاث منازل 0
1/ رجل لقي العبادة فعانقها وخلط بها لحمَه ودمَه ، وفزع إليها قلبُه ، وعًلِمَ أن الله تعالى رازقُه وكافيه ، فوثِقَ بوعده فلم يشغل نفسه بشيء من أمور الدنيا ، جعل السماء سقفه ، والأرضَ بساطه ، ولا يبالي على يُسرٍ أصبح أم على عُسر ، أمسى يعبد الله تعالى حتى يأتيَه اليقين ، فهذا الضرب في الدنيا أعز من الكبريت الأحمر0
2/ ورجل آخر لم يصبر كما صبر الأول ، فطلب كِسْرَةً من حِلِّها، يقيم بها صُلْبَهُ ، وخِرْقة يواري بها عورته ، وبيتاً يسكنه ، وزوجة يستعفُّ بها ، وهو مع ذلك شديد الخوف عظيم الرجاء ، فهو على طريق حسن 0
3/ وأما الثالث فإنه لا يصدق الله بقوله ، فيبني القصرَ المشيد ، ويركب المركب الفَرِهَ، ويستخدم الخدم ، فليس له في الآخرة من خَلاق، إلا من يرحمه أرحم الراحمين.
رأيت في بعض الأخبار: أن عيسى بن مريم عليه السلام مرَّ بنفر من الناس ، قد نحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ قالوا: الخوف من النار ، فقال: حق على الله أن يُؤَمِّنَ الخائف ، ثم بلغ إلى نفر آخر ، فإذا أبدانهم أشد نحولاً ، وألوانهم أشد تغيراً ، فقال: ما الذي بلغ بكم ؟ قالوا: الشوق إلى الجِنان ، فقال: حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ، ثم مر حتى بلغ نفراً ثالثاً فإذا أبدانهم أشد نحولاً وألوانهم أشد تغيراً ، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ قالوا: الحب لله والشوق إليه ، فقال لهم عيسى عليه السلام : أنتم المقرَّبون ، ثلاث مرات (فأهل المعرفة ثلاث أصناف )
صنف يمشون على قدم الافتقار والاضطرار 0
وصنف يمشون على قدم الاعتبار والانكسار 0
وصنف يمشون على قدم الافتخار والاستبشار0 قال الله تعالى: (فمنهم ظالمٌ لنفسه ، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله).
والناسُ في مشهد المعرفة على مرتبتين ، إما في يقظة المعرفة فهم في تربية الولاية فينظرون الكرامة ، وإما في نوم الفضلة فهم في تربية العداوة ، فهم ينظرون الأمانة ، إلا أن يرحمهم أرحم الراحمين . فسبحان مَنْ خَصَّ مِنْ عبيده مَنْ شاء وأعطاهم ثم دعاهم إلى نفسه بفضله حيث قال: (وأنيبوا إلى ربكم) ، فأجابوه وأنابوا إليه ، فهم على أصنافٍ شتى0
فالتائبون يمشون برِجْل الندامة على قدم الحياء 0
والزاهدون يمشون برجل التوكل على قدم الرضا 0
والخائفون يمشون برجل الهيبة على قدم الوفاء
والمحبون يمشون برجل الشوق على قدم الصفاء 0
والعارفون يمشون برجل المشاهدة على قدم الفناء 0
فالمعرفة طعامٌ أطعمه الله مَنْ شاء من عباده ، فمنهم مَنْ يذوقه ذوقاً ، ومنهم مَن يأكل منه بلاغاً ، ومنهم مَن يأكل منه كَفافاً ، ومنهم مَن يأكل شِبَعاً 0
والناس في المعرفة على منازل ، فمنهم من يكون منزله كشِعْب ، ومنهم مَن يكون كقرية ، ومنهم من يكون كمِصْر ، ومنهم من يكون منزله منها كالدنيا والآخرة . رُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أخرجوا مِن النار مَن قال لا إله إلا الله وفي قلبه حبة خردل من الإيمان" وقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام : ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وما ذلك إلا حقيقة المعرفة ، فيقول لهم الرب تعالى: أنتم عبيدي حقاً ، فقد طال شوقكم إليّ ، وشوقي إليكم ، السلام عليكم عبيدي ، فها أنا حبيبكم ، فبعزتي ما خلقتُ الجنة إلا من أجلكم ، فلكم اليوم ما شئتم .
( تعبد الله حباً في الله )
وحُكي أن مالك بن دينار، وثابتاً البناني ،رحمهما الله ، دخلا على رابعة البصرية فقالت لمالك: أخبرني لم تعبد ربك؟ قال: شوقاً إلى الجنان ، فقالت لثابت : وأنت يا غلام؟ فقال: خوفاً من النيران ، فقالت: أنت يا مالك مثل أجير السوء لا يعمل إلا طمعاً ، وأنت يا ثابت مثل عبد السوء ، تعمل خوفاً من الضرب ، فقالا: وأنتِ يا رابعة ، فقالت: حباً لله تعالى ، وشوقاً إليه.
وحُكيَ أن ذا النون المصري رضي الله عنه كان يعظ الناس ذات يوم وهم
يبكون، وفيهم شابٌّ يضحك ، فقال له: ما لك يا فتى؟ فقال ينشد ويقول:

كلُّهم يعبدون مــن خـــوف نارٍ
ويرون النجاة حظاً جـــزيلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيُضحوا
فــي رياضٍ عيـونها سلسبيلا
ليس في الخلد والجِنان هــوائي
أنا لا أبتغـــي بحبّي بديلا
6 كلُّهم يعبدون من خوف iiنـارٍ
ويرون النجاة حظـاً iiجزيـلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيُضحوا
في رياضٍ عيونها iiسلسبيـلا
ليس في الخلد والجِنان iiهوائي
أنا لا أبتغـي بحبّـي iiبديـلا
يتبع بعون الله0000
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الطيبين الطاهرين
وارضَّ اللهم عن القائمين على هذا المنتدى المبارك عامة وارضَّ اللهم عن خادم هذا المنتدى خاصة وارزقه الصلاح والفتوح من عندك إنك علام الغيوب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.bbgraf.com
ملك الحاسوب
مدير عام المنتدى
مدير عام المنتدى
avatar

عدد الرسائل : 142
العمر : 41
الوظيفه : مهندس كمبيوتر
المزاج : الانترت والعمل فيه
رقم العضويه : 1
الأوسمه :
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره   السبت مارس 08, 2008 6:47 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



نتابع وإياكم كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله

الحديث الخامس

[ انصرْ أخاك دائماً]


أخبرنا شيخنا الصالح الثقة العارف بالله القاضي أبو الفضل علي الواسطي رضي الله عنه ، قال: أنبأنا القاضي أبو بكر محمد بن عبدالباقي بن محمد البزاز، قال : أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي ، قال : أنبأنا أبو محمد بن عبدالله بن محمد البزاز ، قال: أنبأنا أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله بن مسلم البصري ، قال: أنبأنا أبو عبدالله الأنصاري ، قال: حدثنا حميد عن أنس قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : "انصر أخاك ظالماً كان أو مظلوماً ، قال: أنصُرُهُ مظلوماً فكيف أنصره ظالما ً؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرُكَ إياه" أقول : هذا بشأن أخيك ، فكيف بك بشأنك ، أخيفوا نفوسَكم وامنعوها وازجروها.
أي سادة ، للعارف أربع أجنحة ، الخوف ، والرجاء ، والمحبة ، والشوق ، فلا هو بجناح الخوف فيستريح من الهرب ، ولا بجناح الرجاء فيستريح من الطلب ، ولا بجناح المحبة فيستريح من الطرب ، ولا بجناح الشوق فيستريح من الشغب ، والله تعالى بيَّنَ في كتابه نعْتَهم بقوله : (ترى أعيُنَهم تفيض من الدمعِ مما عرفوا من الحق) ، وقوله تعالى : (لا تلهيهم تجارة) الآية ، وذلك لأن عمل العارف خالصٌ للمولى ، وقوله مستأنس بالذكرى ، ونفسه صابرة في البلوى ، وسرّه دائم النجوى ، وفكره بالأفق الأعلى ، فمرَّةً يتفكر في نعم ربه ، ومرَّةً يجول حول سرادقات قدسه ، فحينئذٍ يصير حُرّاً عبدا ً، وعبدا حُرّاً ، وغنياً فقيرا ، وفقيراً غنياً ، هكذا يعدُّ ما أمكنه طَرداً وعكساً من الألفاظ ، مثل الموجود والمعروف ، والعزيز والمسرور ، والقريب والمحمود ، والناطق والساكت ، والمقبول والخائف ، والشاهد والغائب ، والباكي والضاحك ، وذلك لأن ضحكه وسروره في حزنه ، وحزنه في سروره ، وعِزُّه مختلطٌ بذُلِّه ، وذُلّه مختلطٌ بعِزِّه ، وخوفه ممزوجٌ برجائه ، ورجاؤه ممزوجٌ بخوفه ، لا خوف يذهب برجائه ، ولا رجاء يذهب بخوفه ، وهو بنفسه يعيشُ مع الناس ، وبقلبه مع الله تعالى ، لا تغلب معاملةُ نفسه مع الناس معاملةَ قلبه مع الله تعالى ، عزيزٌ ذليل ، فقيرٌ غنيّ ، كما قال أبو يزيد رضي الله عنه في مناجاته : إلهي،

كلّما قلتُ قد دنا حَلُّ قَيدي *** قَيَّدوني وأوثقوا المِسْمــارا

1 كلّما قلتُ قد دنا حَلُّ قَيدي *** قَيَّدوني وأوثقوا المِسْمارا
وكان يسيلُ الدمعُ من عينيه عند هذه الكلمة ، وليس كل مَنْ يُرى عليه أثر الزهد فهو زاهد ، وكذلك أثرُ الرغبة والحماقة والجنون والبطالة والغفلة.
إن الله تعالى كلما نظر إلى قلب عبد من عبيده بالفضل والرحمة كشف عنه حجاب الغفلة ، وأظهر له لطائف القدرة ، فعند ذلك لابد له من إحدى ثلاث ، إما أن يصير حكيماً يتصل به الخلق إلى الله ، وإما أن يكلَّ لسانه فيصير مدهوشاً مبهوتاً ، وإما أن يصير مستوراً في حُجُبِه ، محفوظاً في قبضته ، حتى لا يراه غيره لشدة غيرته عليه ، فسبحان من حجب أهل معرفته عن جميع خلقه ، حجبهم عن أبناء الدنيا بأستار الآخرة ، وعن أبناء الآخرة بأستار الدنيا ، وذلك أن أهل المعرفة عرائس الله تعالى في أرضه ، والله مَحْرَمُهُم، لا مَحْرَمَ لهم غيره ، فهم عند الله مخدورون.
وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود أوليائي في قباب لا يعرفهم إلا أوليائي ، فطوبى لأوليائي ، ثم طوبى لأحبائي ، يقال: لو بدت ذَرَّةٌ من نور النبي عليه الصلاة والسلام لاحترق ما بين العرش إلى الثرى.

(علامات العارف)

قيل لرابعة : ما كمال حال العارف ؟ قالت: احتراقُهُ بحبه لربه ، وعلامته أن يكون مستغنياً بالمُعطي عن العطاء ، وبالمكوِّنِ عن الكون ، مستغرقاً في بحار سرور وِجْدانِه ، ساكناً بقلبه معه ، مع ترك كل اختيار لنفسه ، ولا يجزع عند الشدائد والبلوى لرؤيته ، ويعلم أن الله تعالى أقرب إليه من كل شيء ، وأرحم عليه من كل أحد ، وأعزُّ وأكبرُ من كل شيء ، وأن لكل شيء خلفاً ما خلا الله تعالى.

لكلِّ شيءٍ عدمتُهُ خَلَفْ *** وما لفقْدِ الحبيبِ مِنْ خَلَفْ

1 لكلِّ شيءٍ عدمتُهُ خَلَفْ *** وما لفقْدِ الحبيبِ مِنْ خَلَفْ
وإنما يُعرف العارف ، إذا ميّز الخواطر النفسية من الخواطر الروحية ، والإرادة الدنيوية من الأُخْرَوِيّة ، والهمم العُلْوية من السُّفْلية ، فمن رُزِقَ التوفيق إلى حفظ حدود صدق وفاء العبودية ، والقيام بشروطها ، ووجد السبيلَ إلى طريق حفظ تحقيقها ، ثم قام بذكره ، وذَكَرَ ذِكْرَه ، ثم شكره ، وشَكَرَ شُكْرَهُ ، فيصيرُ مع النفسِ بلا نفس ، ومع الروح بلا روح ، ومع الخَلْقِ بلا خلق.

(قلوب معلقة بالله)

كما قال الإمام ابن عباس رضي الله عنهما : بلغنا أن عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام بينما كانا يسيران في بعض الطُرُق ، فصدم يحيى امرأة ، فقال له عيسى: يا بن خالتي ، لقد أصبت اليوم ذنباً عظيماً ، قال: ما هو؟ قال: امرأة صدمتَها ، قال يحيى: والله ما شعرتُ بها ، فقال عيسى: سبحان الله نفسُك معي ، فأين قلبُك وروحك ؟ فقال : عند الله ، يا عيسى لو سكن قلبي إلى جبريل ، أو إلى أحد غير الله طرفةَ عين ، لظننتُ أنّي ما عرفتُ الله حقَّ معرفته.

( معنى المعرفة )

وقيل: المعرفةُ خمسة أحرف ، فمن وجد في نفسه معناها فليعلم أنه من أهلها ، بالميم مَلَكَ نفسَه ، وبالعين عَبَدَالله على صِدْق الوفاء ، وبالراء رغب إلى الله بالكُلّية ، وبالفاء فوّض أمره إلى الله ، وبالهاء هرب من كل ما دون الله إلى الله ، فكل عارف يملك نفسه بقدر معرفته بكبريائه تعالى وعظمته ، ويعبدُ ربه على قدْر معرفته بربوبيته ، ويرغب إليه على قدر معرفته بفضله وامتنانه ، ويفوِّض أمره إليه على قدر معرفته بقدرته ، ويهرب إليه على قدر معرفته بملكه وسلطانه ، فهو عارف.
يتبع بعون الله 000

وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الطيبين الطاهرين
وارضَّ اللهم عن القائمين على هذا المنتدى المبارك عامة وارضَّ اللهم عن خادم هذا المنتدى خاصة وارزقه الصلاح والفتوح من عندك إنك علام الغيوب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.bbgraf.com
ملك الحاسوب
مدير عام المنتدى
مدير عام المنتدى
avatar

عدد الرسائل : 142
العمر : 41
الوظيفه : مهندس كمبيوتر
المزاج : الانترت والعمل فيه
رقم العضويه : 1
الأوسمه :
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره   السبت مارس 08, 2008 6:49 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



نتابع وإياكم كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله



الحديث السادس

[متى يُستجاب الدعاء]


حدثنا الشريف محمد بن عبدالسميع العباسي الهاشمي الواسطي ، قال: أخبرنا الحاجب أبو شجاع محمد بن الحسين ، قال: أنبأنا النقيب أبو الفوارس طراد بن محمد ابن علي الزبيبي الهاشمي ، قال: أنبأنا أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عبدالجبار السكري ، قال: أنبأنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، قال: أنبأنا أبوبكر أحمد ابن منصور الرمادي ، قال أنبأنا عبدالرزاق بن همام ، قال: أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزهري عن رجل سمّاه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يُستجابُ لأحدكم ما لم يَعْجَلْ فيقول دعوتُ فلم يُستجب لي" والعَجَلَةُ هنا من غَلَبَةِ الإشتغال بالقَصْدِ دون خالقه ، وهذا من نُقصان المعرفة ، فإن العارف لا يشغله شيء عن ربه.

وسنذكر من أحوال العارفين أشياء بقصد التبرك بِذِكْرِهِم ، قال الله تعالى : (واذكر في الكتابِ إبراهيم) وقال سبحانه: [ نحن نقص عليك] وفي الخبر: اذكروا الصالحين ، عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. فلولا ذلك لما كان ينبغي لنا أن نشتغل بذكر غير الله تعالى ، ومع ذلك فإن الله تعالى معنا ، قال تعالى: ( وهو معكم أين ما كنتم)
حُكِيَ أن عبدالواحد بن زيد رحمه الله قال: قصدتُ بيتَ المقدس فأضلَلْتُ طريقي ، فإذا بامرأة أقبلت إليَّ فقلتُ لها: يا غريبة ، أنت ضالَّة؟ قالت: كيف يكون غريباً مَنْ يعرفه ، وكيف يكون ضالاً من يُحِبُّهُ ، ثم قالت: خذ رأس عصاي وتقدَّم بين يديَّ مشيا ً، فأخذتُ رأسَ عصاها ، ومشيت بين يديها سبعة أقدام أقل أو أكثر، فإذا أنا في مسجد بيت المقدس ، فدلَّكتُ عيني ، قلت: لعل هذا غلط مني ، فقالت: يا هذا سيرك سير الزاهدين ، وسيري سير العارفين ، فالزاهد يسير ، والعارفُ يطير ، وأنَّى يلحق السَّيَّارُ الطَّيَّارَ؟ ثم غابت فلم أرها بعدها.
قال أبو عمران الواسطي رحمه الله: كنت راكباً البحرَ ، إذ انكسرت السفينة ، وبقيتُ أنا وامرأتي ، فولدت ولداً ، فأرادت الماء ، فرفعتُ رأسي إلى السماء ، فإذا رجلٌ جالسٌ على الهواء ، وفي يده ركوة من ياقوتةٍ حمراء في سلسلة من ذهب ، وقال :خذْ ، فسألته عن ذلك ، فقال: تركتُ هواي ، فأجلسني في الهواء.
وحُكِيَ أن عبدالواحد بن يزيد قال: لأبي عاصم الربعي: كيف صنعتَ حين طلبك الحَجَّاج ؟ قال: كنت في بيتي فوقفوا على الباب ليدخل عليَّ الرسولُ فصرتُ مدهوشاً ، فإذا بيدٍ أخذت بيدي وجرَّتني قدَماً أو أكثر ، فنظرتُ فإذا أنا علي جبلِ أبي قبيس.

(من أطاع الله أطاعه كل شيء)

وحُكِيَ أن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال: مررتُ براعٍ فقلت له: هل عندك شُربةً من الماء أو من اللبن؟ قال: أيُّهما أحبُّ إليك؟ قلت: الماء ، قال: فضرب بعصاه حجراً صَلداً لا صدْعَ فيه ، فانبجس من الماء ، فشربتُ منه وهو أبرد من الثلج ، وأحلى من العسل ، وبقيتُ متعجباً ، فقال الراعي: لا تتعجب فإن العبد إذا أطاع الله أطاعه كلُّ شيء.
وكانت لرابعة البصرية سَلَّةٌ معلقة في بيتها ، فكلما أرادت الطعام ، ضربت بيدها إلى السلة فوجدتْ فيها أي الطعام شاءت.

وقال شيخ الطائفة الحسن رضي الله عنه: خرج سلمانُ الفارسي رضي الله عنه من المدائن ومعه ضيف، فإذا بظباءٍ تسير في الصحراء، وطيور تطير في الهواء، فقال سلمان: ليأتني ظبيٌ وطيرٌ سمينان، فقد جاءني ضيفٌ أحب إكرامه، فجاء كلاهما، فقال الرجل سبحان الذي سخَّر لك الطيرَ في الهواء، قال: أوَ تتعجبُ من هذا؟ هل رأيتَ عبداً أطاع الله فعصاه الله. قال عبد الواحد بن زيد: بينما أنا وأيوب السختياني نسير في طريق الشام، فإذا نحن بأسودَ أقبل إلينا يحمل كارة حطب، فقلت: يا أسودُ مَن ربُك؟ قال: ألمثلي تقول هذا، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: إلهي حوِّل هذا الحطب ذهباً، فإذا هو ذهب ، ثم قال: أرأيتم هذا؟ قلنا: نعم، قال: اللهم رُدَّه حطباً، فصار كما كان أولاً، ثم قال: سَلُوا فإن العارفين لا تفنى عجائبهم، فقال أيوب: بقيتُ خَجِلاً من العبد، واستحييتُ منه حياءً ما استحييت مثله من قبل ذلك من أحد قط، ثم قلت: أمَعَكَ شيءٌ من الطعام؟ قال: فأشار فإذا بين أيدينا جامٌ فيها عسل، أشد بياضاً من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك، قال: كلوا فوالله الذي لا إله إلا هو ليس هذا من بطن النحل، فأكلنا فما رأينا شيئاً أحلى منه، فتعجَّبنا، فقال: ليس بعارفٍ من تعجّب من الآيات، ومن تعجب فهو بعيد من الله، ومن عبده على رؤية الآيات فهو جاهل بالله.
رحم الله ذلك الأسودَ، ما أعرفَه بالله. وقد كنتُ حاجاً وأردتُ التلبية، فأخذت منديلاً لي فغسلته، وقطعته نصفين، ثم اتزرت بنصف، وارتديت بنصف آخر لحاجة، فإذا بهاتف يهتف: انظر ما بين يديك، فنظرتُ فإذا الباديةُ فضةٌ كلُّها، فغمضتُ عيني ومضيت، وقلت: اللهم إني أعوذ بك من كل إرادةٍ سواك.
وحكي أن رجلاً من العارفين فرغ من أعمال الحج وأركانه، ثم أخذ يُحرم مرة أخرى، وقال: لبيك اللهم لبيك، فقيل له: يا هذا، إن وقت الحج والتلبية قد مضى، فقال: قد أحرمتُ من الوطن إلى زيارة البيت، والآن أحرمت من البيت إلى صاحب البيت، فقيل هنيئاً لمن أحرم عن غيره.

وحُكي أن هرم بن حيّان رحمه الله قال: كنتُ أسيرُ على شاطئ الدجلة فإذا أنا برجُلٍ أقبل إليّ وعليه سيما العارفين، فسلمت عليه فقلت له: كيف حالك وشأنك؟ فقال: (سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) يا هرم بن حيّان اشتغلْ بما يعنيك، فقلت: رحمك الله مِن أينَ عرفتَ اسمي واسمَ أبي، وما رأيتك قبل اليوم؟ فقال: أما عرفتَ أنَّ العارفين يتعارف بعضُهم بعضاً بنور المعرفة، قال: فتعجبتُ من حسن فصاحته، وتحيَّرتُ من هيبته.

وقال ذو النون رضي الله عنه: بينما أنا أسير فإذا أنا بقريةٍ والناسُ يصيحون، فدنوتُ فإذا أسودُ يسخرون به، فرفع رأسه إليّ وقال: يا ذا النون اعرف قدرَ الله، ولا تمُنَّ على الله، فإن الحبيبَ لا يمُنُّ على الحبيب، فسألتُ عن حاله، قيل إنه مجنون لا يجالس الناس، ولا يأكلُ في أربعين يوماً إلا أكلةً واحدة، ثم نظر إلى السماء وقال: يا غايةَ هِمَم العارفين، إن عرفتُكَ فبمواهبك، وإن شكرتك فبعصمتك.

(الله معهم أينما كانوا)

وقال ذو النون أيضاً: بينما أنا أسيرُ على شاطئ النيل فإذا أنا بجارية منطلقة في النيل، وقد اضطربت أمواجه، وتقول: إلهي ترى ما تفعل بي، فقلت: يا جارية أتشكِينَ منه وهو صاحب كل بَرٍّ وفاجر، فقالت: يا ذا النون أنتَ الذي إذا شكرتَ شكرتَ منه، وإذا سخطتَ سخِطتَ عليه، قلت: يا جارية، من أين عرفت اسمي وما رأيتِني؟ فقالت: عرفتك بنور معرفة الجبّار، فقلت لها: اتجدين وحشةً للوَحدة؟ قالت: لا والذي نوَّر قلبي بنور معرفته، ما سكن قلبي قطّ إلى غيره ،فإنه مؤنسُ الأبرار في الخلوات، وصاحبُ الغرباء في الفلوات.

وقال جدُّ والدتي العارفُ الواسطي رحمه الله: بينما أنا أمشي في البادية، إذ أعرابيّ جالس منفرداً، فدنوت منه وسلّمتُ عليه، فردَّ عليّ السلام وأبي أن أكلِّمه، فقال: اشتغلْ بذكر الله فإن ذكرَ الله شفاءُ القلوب.
ثم قال: كيف يتفرغ ابن آدم من ذكره وخدمته، والموت في أثره، والله ناظرٌ إليه؟ ثم بكى وبكيت معه، فقلت له: ما لي أراك فريداً وحيداً؟ قال: ما أنا بوحيد والله معي، وما أنا بفريد والله مؤانسي، ثم قام ومضى مسرعاً، وهو يقول: سيدي، أكثر خلقك مشغولون عنك بغيرك، وأنت عِوَضٌ عن جميع ما فات، يا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحيد، ويا مأوى كل فريد، وجعل يمُرُّ وأنا أتبعه، ثم أقبل إلىَّ وقال: ارجعْ عافاك الله إلى من هو خير لك مني، ولا تشغلني عمن هو خير لي منك، ثم غاب عن بصري.

وحُكي أن عبدالواحد بن زيد قال: مررتُ براهبٍ فسألته: منذ كم أنت في هذا المكان؟ فقال: منذ أربع وعشرين سنة، قلت: من أنيسك؟ قال: الفرد الصمد، قلت: من المخلوقين؟ قال: الوحش، قلت، فما طعامك؟ قال: ذكر الله، قلت: مِنَ المأكول، قال: ثمار هذه الأشجار، ونبات الأرض، فقلت: أما تشتاق إلى أحد؟ قال: نعم إلى حبيبِ قلوب العارفين، قلت: إلى المخلوقين، قال: مَن كان شوقه إلى الله فكيف يشتاق إلى غيره، قلت: فلِمَ اعتزلتَ عن الخَلْق؟ قال: لأنهم سَرَّاق العقول، وقُطّاع طريق الهدى، قلت: ومتى يعرف العبد طريق الهدى؟ قال: إذا هرب إلى ربه من كل ما سواه، واشتغل بذكره عن كل مَن سواه.

قال هرم بن حيان: رأيت أويس بن عامر فسلمتُ عليه، فقال: وعليك السلام يا هَرِمُ بن حيان، فقلت: كيف عرفْتَ اسمي واسم أبي؟ قال: عَرَفَت روحي روحَك بنور معرفة ربي، قلت: إني أحبك في الله، قال: ما أظن أن أحداً يحب غير الله فكيف يحب غير الله لله، قلت: أريد الصحبة معك، والأنس بك، قال: ما ظننت عارفاً يستوحش عن الله حتى يستأنس بغيره، قلت: أوصني، قال: أوصيك بالله سبحانه، فإنه عِوَضٌ عن كل ما فاتك.

وقال ذو النون المصري: كنتُ أسير في بعض المفاوز، فإذا أنا برجل مُتَّزِر بحشيش، مرتد بحشيش، فسلمتُ عليه فرد عليّ السلام، ثم قال: من أين الفتى؟ قلت: من مصر، قال: إلى أين؟ قلت: أطلب الأنس بالمولى، قال: اترك الدنيا والعُقبى، يصح لك الطلب، قلت: هذا كلامٌ صحيح، صحَّحْهُ لي، قال، أتتهمنا فيما نقول، وقد أُعطينا خيراً مما نقول، وهو المعرفة، قلت: ما أتهمك، ولكني أريد أن تزيدني نوراً على نور، فقال: يا ذا النون، انظر فوقك، فإذا السماء والأرض كأنهما ذهب يتوقد ويتلألأ، قال: اغضض بصرك،(فغضضت) فصارتا كما كانتا، فقلت: كيف السبيل إلى هذا؟ قال: تفرَّد بالفرد إن كنت له عبداً.

وقال محمد المقدسي رحمه الله: دخلتُ دار المجانين يوماً بالشام، فرأيت فيها شاباً على رقبته غُلٌ، وعلى رجليه قَيد، مشدود بالسلسلة، فلما وقع بصره عليّ، قال لي: يا محمد أترى ما فعل بي، وأشار بطرفه نحو السماء، ثم قال: جعلتك رسولاً إليه أن تقول له: لو جعلتَ السموات غلاً على عنقي، والأرضين قيداً على رجلي، ما التفتُّ منك إلى غيرك طرفة عين، ثم أنشأ يقول:

علـى بُعـدكَ لا يصبرُ *** مَـن عادته القُـرْبُ
ولا يقوى علـى قطعِكَ *** مَـن تيَّمَهُ الحُــبُّ
إذا لــم تَــرَكَ العَينُ*** فقـد أبصـركَ القلبُ
3 على بُعدكَ لا يصبرُ *** مَن عادته القُرْبُ
ولا يقوى على قطعِكَ *** مَن تيَّمَهُ iiالحُبُّ
إذا لم تَرَكَ العَينُ*** فقد أبصركَ iiالقلـبُ

يتبع بعون الله00000000
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الطيبين الطاهرين
وارضَّ اللهم عن القائمين على هذا المنتدى المبارك عامة وارضَّ اللهم عن خادم هذا المنتدى خاصة وارزقه الصلاح والفتوح من عندك إنك علام الغيوب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.bbgraf.com
ملك الحاسوب
مدير عام المنتدى
مدير عام المنتدى
avatar

عدد الرسائل : 142
العمر : 41
الوظيفه : مهندس كمبيوتر
المزاج : الانترت والعمل فيه
رقم العضويه : 1
الأوسمه :
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره   السبت مارس 08, 2008 6:55 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نتابع وإياكم كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله

الحديث السابع

[ الله يرضى لكم ويكره لكم ]
حدثنا شيخنا المقري الإمام الصالح القاضي أبو الفضل علي الواسطي القرشي رضي الله عنه: قال: قرأت أنا وسديد الدولة محمد بن عبدالكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم بن عبدالقاهر بن زيد بن رفاعة الشيباني ويعرف بابن الأنباري على أبي عبدالله بن أحمد ابن عمر الحافظ قلنا: أنباك أبوالحسين أحمد بن محمد فأقر به قال: أنبأنا الحسين محمد ابن عبدالله الدقاق عن يحيى بن محمد إسحاق بن شاهين عن خالد بن عبدالله عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى عز وجل يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تُناصِحوا من ولاّه الله أمرَكم، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"
وفي هذا الحديث الشريف من رقائق أحكام المعرفة بالله، ما يكفي العارف عن غيره، فإن الأسرار المطلوبة فيه هي سلم المصطفَين الأخيار إلى الله تعالى.
أي سادة، إن لله تعالى عباداً اصطفاهم لمعرفته، وخصهم بمحبته، واختارهم لصحبته، واجتباهم لمؤانسته، وقرّبهم لمناجاته، وحرّضهم على ذكره،وأنطقهم بحكمته، وأذاقهم من كأس محبته، وفضلهم على جميع خلقه حتى لم يريدوا به بدلاً، ولا سواه كفيلاً، ولا دونه ناصراً ومعيناً ووكيلاً، ولقد سبقوا مَن دونهم سَبقاً لا بكثرة الأعمال، ولكن بصحة الإرادات، وحسن اليقين، مع دقائق الورع، والانقطاع بالقلب إليه، وتصفية السر عن كل ما دون الحق، فأذاقهم الله طعم لُباب معرفته، وأنزلهم في حظيرة قدسه، لا يصبرون عن ذكره، ولا يشبعون من بِرِّه، ولا يستريحون لغيره، فيا طوبى لهم، هم الأقلون عدداً، والأعظمون خَطَراً، بهم يحفظ الله محبته، حتى يؤدوها إلى نظرائهم، فيا طوبى لهم، هم الزاهدون فيما رغب فيه الغافلون، والمستأنسون فيما استوحش منه الجاهلون، والمشتاقون إلى ما هرب عنه الساهون، هم الذين نظروا بأعين القلوب، إلى حُجُبِ الغيوب، وجالتْ أرواحُهم في الملكوت، فَهِمَّتُهُم في سِرِّهم، وسِرُّهم عند ربهم، به يستمعون، وبه ينظرون، وبه يريدون، وبه يتحركون، قلوبهم بحبها مستأنسة بأنسها.
قال أبو يزيد رحمه الله: الناس يصيحون من إبليس، وهو يصيح مني، قيل له: كيف هذا والمصطفى عليه السلام كان مأموراً بالصياح منه، في قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشيطين)0
قال: لأن الله تعالى أمره في هذه الآية بالاعتصام به، وتفويض الأمر إليه، وفَرْقٌ بين الصياح من إبليس، وبين الاعتصام بالله، وقد قال الله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان).
قال ذو النون: للعارف نار ونور، نار الخشية، ونور المعرفة، فظاهره محترق بنار الخشية، وباطنه مُنَوَّرٌ بنور المعرفة، فالدنيا تبكي بعين الفناء عليه، والآخرة تضحك بِسَنِّ البقاء إليه، فكيف يقدر الشيطان أن يدنو منه ظاهراً وباطناً إلا كالبرق الخاطف، أو كالريح العاصف
فإن أتاه عارضٌ من قِبَلِ العَين، أحرقته نار العَبْرة0
وإن أتاه مِن قبل النفس، أحرقته نار الخدمة0
وإن أتاه من قبل العقل، أحرقته نار الفكرة0
وإن أتاه من قبل القلب، أحرقته نار الشوق والمحبة0
وإن أتاه من قبل السر، أحرقته نار القرب والمشاهدة0

فتارةً يحترق قلبه بنار الخشية، وتارة يتشفى بنور المعرفة، فإذا امتزجت نار الخشية ونور المعرفة، هاجت ريح اللطف من سرادقات الأنس والقُربة، فيظهر صفاء الحق للعبد، فتراها تلاشت الأنانية، وبقيت الألوهية كما هو في الأزل.
قال أبو سليمان: يُفتح للعارف وهو نائم على فراشه، ما لا يفتح لغيره وهو في صلاته.
قال أبو يزيد رحمه الله: أدنى مقامات العارف أن يمر على الماء، ويطير في الهواء، وأعلاها أن يمر على الدارين من غير أن يلتفتَ إلى مَن سواه.
قال أبو بكر الواسطي رحمه الله: دوران العارف مع محبوبه على أربعة أوجه: سرور المعرفة، وهو ممزوج برؤية حسن العناية، وحلاوة الخدمة، وهو ممزوج بذكر المِنّة، وأنس الصحبة، وهو ممزوج بلذائذ القربة، وخوف المفارقة، وهو ممزوج بتحقيق كمال القدرة، وقال ذو النون: العارف بين البر والذكر، لا اللهُ يمل من بِرِّه، ولا العارف يشبع من ذكره.
سئل بعضهم عن قوله تعالى (وأنه هو أضحك وأبكى) ، فقال: أضحك العارفين بسرور معرفته ثم أبكاهم من خوف مفارقته، وأمات من شاء
بسيف قطيعته، أوحيى من شاء بروح وَصْلَتِه، ليعلم الخلائق أنه فعال لما يريد.
وقيل لعائشة رضي الله عنها: كيف يحاسب المؤمنون العارفون؟ فقالت: ليس مع العارفين حساب، ولكن معهم عتاب.
وروي أن سليمان عليه الصلاة والسلام نظر إلى مملكته يوماً، فأمر الله تعالى الريح حتى كشف عورته، فقال للريح، رُدَّ عليَّ ثوبي، فقال الريح، رُدَّ قلبك إلى مكانه، فطوبى لأهل المعرفة، عرفهم أنفسهم قبل أن يعرفوه، وأكرمهم قبل أن يعرفوا الكرامة، أولئك أقوام أنفسهم روحانية، وقلوبهم سماوية، وهمومهم مَرْضِيَّة، وصدورهم جَزِعة، وقلوبهم خائفة، وأعينُهم دامعة، عقلوا فعلموا، ووجدوا فرحلوا، وانفتح لهم نور القلب.

لله قــــومٌ مُصْطَفَـــونَ لنفسِهِ *** إختارَهم من سالفِ الأزمانِ
اختارَهم من قبلِ فِطرةِ خَلقِهِم*** فيهـم ودائـعُ حِكمـةٍ وبيــــانِ

2 لـلـه قـومٌ مُـصْـطَـفَـونَ لـنـفـسِـهِ *** إخـتـارَهـم مــن سـالــفِ iiالأزمــانِ
اخـتـارَهـم مـن قـبـلِ فِـطـرةِ خَـلـقِـهِـم*** فـيـهـم ودائـعُ حِـكـمـةٍ وبـيـانِ

*****************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.bbgraf.com
ملك الحاسوب
مدير عام المنتدى
مدير عام المنتدى
avatar

عدد الرسائل : 142
العمر : 41
الوظيفه : مهندس كمبيوتر
المزاج : الانترت والعمل فيه
رقم العضويه : 1
الأوسمه :
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره   السبت مارس 08, 2008 6:56 am

الحديث الثامن

[ حياء الوجه والقلب ]
أخبرنا الشيخ صالح الثقة أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، قال: أنبأنا أبو عبدالله مالك بن أحمد بن علي المالكي، قال: أنبأنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن موسى القرشي، قال: أنبأنا أبو إسحق إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي، قال: أنبأنا أبومصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، عن مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الحياء من الإيمان" والحياء الذي يشمل الوجه من الناس، أنموذج عن الحياء الذي يشمل القلب من الله تعالى، والحياء الشامل للوجه وللقلب، هو من الإيمان بالله وهو طَوْرُ العارفين بالله سبحانه وتعالى، الذي جعل قلوبهم عَيْبَةَ أسراره، وكذلك فإن قلوب العارفين خزائنُ الله في أرضه، وضع فيها ودائع سره، ولطائف حكمته، ودقائق محبته، وأنوار علمه، وإمامةَ معرفته، فكلامهم هو الكشف عما يشاهد القلب، وإظهار علوم السر، وبيان معاملة الضمير، من تميّز الانفصال عن الاتصال، وبيان الأسباب الشاغلة عن الحق، من الأسباب الداعية إلى الحق، أما الداعي إلى الخلق فالدنيا والنفس والخلق، وأما الداعي
إلى الحق فالعقل واليقين والمعرفة، كما ورد: "مَنْ عرف نفسه عرف به"، يعني من عرف ما لنفسه، عرف ما لربه، وكلامهم يدور على خمسة أوجه، به وله ومنه وإليه وعليه، وليس في كلامهم أنا وإني ونحن ولي وبي لأن ألفاظهم فردانية، وحركاتهم صمدانية، وأخلاقهم ربانية، وإرادتهم وحدانية، لا يعرف إشارتهم إلا مَنْ له قلب حريق، فيه خزائن الأسرار، وجواهر القدس، وسُرادِقات الأنوار، وبحار الوداد، ومفاتيح الغيب، وأودية الشوق، ورياض الأنس، فكلما أبرز العارف لسان الحكمة من ينبوع المعرفة بإشارات استأنس بها قلوب المريدين والمشتاقين.
قال يحيى بن معاذ: القلوب كالقدور، ومغارفها الألسن، فكل لسانٍ يغرف لك ما في قلبه.
وقيل لأبي بكر الواسطي ما تقول في كلام أهل المعرفة؟ فقال: إن مَثَلَ المعرفة، كمثل سراج في قنديل، والقنديل معلق في بيت، فما دام السراج في البيت، يكون البيت مضيئاً، وربما يفتح الباب فيقع ضوء السراج خارج البيت ويضيء.
كلام أهل المعرفة يقع ضياؤه على قلوب أهل النور فتصير أعينهم دامعة، وألسنتهم ذاكرة. يقول الله تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين) ، الآية، مثل نفس العارف كمثل البيت، ومثل قلبه كمثل القنديل، دُهْنُهُ من اليقين، وماؤه من الصدق، وفتيله من الإخلاص، والزجاجة من الصفاء والرضاء، وعلائقه من العقل، فالخوف نار في نور، والرجاء نور في نار، والمعرفة نور في نور، فالقنديل معلق بباب الكُوَّة، إذا فتح العارف فاهُ بالحكمة التي في قلبه، هاج في كُوَّةِ فمه نورٌ من الأنوار التي في قلبه، فيقع ضياؤه على قلوب أهل النور، فيتعلق النور بالنور، وإنَّ بعض القول أشدُّ ضوءاً من النهار، وبعضها أشدّ ظلمةً من الليل، وكلام أهل المعرفة كنزٌ من كنوز الرب سبحانه، معادنه قلوبُ أهل المعرفة، أمرهم الله تعالى بالإنفاق منه على أهله في قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
قيل لبعض العارفين: أي شيء أضوأ من الشمس؟ قال: المعرفة، قيل: أي شيء أنفع من الماء؟ قال: كلام أهل المعرفة، قيل: وأي شيء أطيب من المسك؟ قال: وقت العارف، قيل: وما حِرفةُ العارف؟ قال: النظرُ إلى صُنع الرُّبوبية، وأعلام لطائف القُدرة.

((مراد الصالحين))

قيل لأبي سعيد البلخي: لِمَ كان كلام السلف أنفعَ من كلام الخلف؟ قال: لأن مرادهم كان عِزَّ الإسلام، ونجاة النفوس، والشفقةَ على الإخوان، ورضا الرحمن، ومرادُنا عِزُّ النفس، وثناء الناس، وطلبُ التنعُّم في الدنيا، فالعبد إذا أطاع ربه، رزقه نهلةً من عين المعرفة، وأنطق بها لسانه، وإذا ترك طاعته لم يسلبها، ولكن أبقاها في قلبه، ولم يُنطق بها لسانه، ليكون ذلك حسرةً عليه، وابتلاه بأنواع المِحَن، وما مِن مؤمنَين يلتقيان فيذكران الله إلا ويزيد الله تعالى في قلوبهما نورَ المعرفة، قبل أن يتفرقا، وإن الله تعالى أطْلعَ أهلَ المعرفة على تلاطم أمواج بحار خواطر القلوب، وأشرفهم على خزائن الأسرار، وبواطن العلوم التي لا يُحصى عددها، ولا ينقطع مددها، ولا يُدرَكُ قعرها، ولا تُفنى عجائبها، حتى يغوصوا بنورالمعرفة في قَعْرِ بواطن إشاراتها المكنونة في معانيها المخزونة، فيستخرجوا عجائبَ فوائد، ولطائفَ زوائد، وحقائقَ إشارات، تحترق منها قلوبُ المحبين، وتستأنس بها أرواح المريدين، وهي نورٌ من أنوار الهداية، يهتدي به العبد إلى طريق حسن الرعاية، إذا أدركه من الحق التوفيق والعناية.
قال يحيى بن معاذ: لقيتُ الحكماء فوجدت أكثرهم مفاليسَ، يفتحون من كيس غيرهم، وكان للّيث المصري أخ، وكان بالإسكندرية، فلما قدم إليه قال: إني كنت مقبلاً على ربي، قال: فأين فوائدُ إقبالك على ربك؟ فسكت، فقال الليث: العبد إذا أقبل على الله بصدق الوفاء، يمده الله بفوائد لم تخطر على قلب بشر.
وكان يحيى بن معاذ يتكلم ذات يوم، فصاح رجل في مجلسه، ومزَّق ثوبه، فقيل له: ما تقول فيه؟ قال كلام أهل المعرفة كلما نبع من عين سر الوحدانية، قرع قلب المحترق بنيران الشوق والمحبة، فتلاشت عن صاحبه صفات الإنسانية، كلام المتقين بمنزلة الوحي، وجرت كلمة على لسان بعضهم، فقيل له: مَن حَدَّثك بهذا؟ قال: حدَّثني قلبي عن فكري عن سِرِّي عن ربي، فإسنادُ الحكمة وجودُها، وهي ضالّة المريد، حيثما وجدها أخذها، فلا يُبالي من أي وعاء خرجت، وبأي لسان نَطَقَت، ومن أي قلب نُقِلَت، أو على أي حائط كُتِبت، أو مِن أي كافر سُمِعَت.

(( قيمة الحكمة ))

وقد ورد "مَن أراد أن يؤتيه الله علماً من غير تعلم، وهُدى من غير هداية، فليزهد في الدنيا"، وإن للحكمة أهلاً وزماناً، وقد مضي زمنها، والأكثرون مِن
أهلها، وليس علينا إلا أثر المصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اطلبوا مصابيحَ كلام العارفين قبل وفاتهم، نعمة اعرفوا شرفها، وكمال فضلها، وإنما اختار لقمانُ الحكمة لشرفها، هي برهان الصِدَّيقين، ونزهة المتقين، وفردوس العارفين، وميراث النبيين والمرسلين فاطلبوها قبل ذهابها:
مصابيحُ الأنامِ بكلِّ أرضٍ *** هُــمُ العلماءُ أبناءُ الكِـــرامِ
تلألأ عِلمُهُــم فـــي كلِّ وادٍ *** كنورِ البدرِ لاح بلا غَمامِ
2 مصابيحُ الأنامِ بكلِّ أرضٍ *** هُمُ العلماءُ أبناءُ الكِرامِ
تلألأ عِلمُهُم في كلِّ وادٍ *** كنورِ البدرِ لاح بلا غَمامِ


****************

الحديث التاسع

[ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ]
أخبرنا العبد الصالح الثقة أبو غالب عبدالله بن منصور بجامع واسط، أخبرنا أبو عبدالله محمد بن علي بن الحسين السلمي، قال: أنبأنا أبو الحسن بن أبي الفتح الضرير العثماني، قال: أنبأنا عمر بن محمد المقري، قال: أنبأنا عبدالرحمن بن أحمد ابن الحجاج، قال: أنبأنا أحمد بن محمد بن أبي الرجاء، قال: أنبأنا وكيع بن الجراح، قال حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويُخفى عنه كبارها، فيقال له: عملت كذا وكذا، وعملت يوم كذا: كذا وكذا، قال: وهو مُقِرٌّ ليس ينكر، قال: وهو مشفق من الكبار أن يُجاءَ بها، فإذا أراد الله به خيراً، قال: أعطوه مكان كل سيئة حسنة، فيقول حين طمع: إن لي ذنوباً ما رأيتها ها هنا "قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. ثم تلاقوله تعالى : (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات).
وهذا الإشفاق هو شيء من أسرار اليقين بالله، وحال من سلطانه، يفرغه في قلوب أهل المعرفة به، ولهذا الحديث الشريف شأن جليل، يُنبئ عن كرم إلهي فوق تعبير اللسان، يعرفه العارفون، ويزلق به الغافلون، ويزداد خوفاً من الله به الموفقون.

(( ألسنة العارفين ))

أي سادة، من أراد أن يتكلم بلسان أهل المعرفة، فينبغي أن يحفظ أدب كلامه، فلا يكشف دقائقه إلا عند أهله، وأن لا يُحَمِّلَ المريدَ فوق طاقته، ولا يمنع كلامه مَن كان مِن أهله، ويكون كلامه مع أهل المعرفة بلسان أهل المعرفة0
ومع أهل الصفا بلسان الصفا0
ومع أهل المحبة بلسان المحبة0
ومع أهل الزهد بلسانهم0
ومع كل صنف على قدر مراتبهم ومنازلهم، وقدر عقولهم، فإن الله تعالى جعل للعارف هذه الألسن، نعم كلها تتلاشى عند ظهور سلطان الحق، وينبغي أن لا يحدِّث بحديث لا يبلغ عقل المستمع إليه، فيكون ذلك فتنة، فإن أكثر الناس جاهلون، اشتغلوا بعلوم الظاهر، وتركوا علم تصحيح الضمائر، فلا يحتملون دقائق كلام العارفين، لأن كلماتهم لاهوتية، وإشاراتهم قدسية، وعباراتهم أزلية، فلذلك ينبغي للمستمع أن يكون معه السراج الأزلى، والنور الديمومي، ويقال: لسان الحال أفصح من لسان المقال، فمن رضي بالحال دون وَليِّ الحال، صار مخذولاً عن الحال، ومحجوباً عن ذي الجلال، وأي دهشه أشد من دهشة العارف، إن تكلم عن حاله هلك، وإن سكت احترق، فمن وَرَدَ قلبه الحضرةَ كَلَّ لسانُه، ومَن غاب قلبه عن الحضرة كثر كلامه.
قال ذو النون رحمه الله: ما رأيت محدثاً في قوم يحدثهم بغفلة إلا كان ذلك قسوة، وقال بعضهم: سكوت العارف حكمة، وكلامه نعمة، ويقال: ليس على تحقيق في المعرفة مَن يحدِّث بحديث المعرفة عند أبناء الآخرة، فكيف أبناء الدنيا؟ ما تكلمت مع أحد من الناس، إلا ودعوته إلى الله ثم كلمته.
من لم يكن له حلاوة المعرفة، ورؤية المِنَّة، وشكر النعمة، ولذائذ القُربة، وخوف المفارقة، وأُنس الصُحبة، وإخلاص العبادة، وسرور الهداية، فليس له أن يتكلم بكلام أهل المعرفة، وإن تكلم فلا يحمِّل فوق الطاقة، ولا يمنع أهل الحاجة، ولا يضيع أهل الغفلة.
وحُكي أن رجلاً جاء إلى عارف قال: حدثني، فقال: إن مثلي معك كرجل وقع في القاذورات، فذهب إلى العطار، وقال: أين الطِّيْب، فقال العطار: اذهب اشتر الأشنان، واغسل نفسك ولباسك، ثم تعال فتطيب، وكذلك أنت، لطخت نفسك بأنجاس الذنوب، فخذ أشنان الحسرة، وطين وطين الندامة، وماء التوبة والإنابة، وطهر ظواهرك في إجّانة الخوف والرجاء، من أنجاس الجُرم والجفاء، ثم اذهب إلى حمام الزهد والتقى، واغسل نفسك بماء الصدق والصفاء، ثم ائتني حتى أطيِّبك بعطر معرفتي.
قال بعض الناس لعارف: إني لأعرف كلامكم، قال: كلام الأخرس لا يعرفه إلا أمُّه، ومن كلام عيسى عليه الصلاة والسلام: يا صاحب الحكمة، كُن كالطيب الناصح، يضع الدواء حيث ينفع، ويمنع الدواء حيث يضر، لا تضع الحكمة في غير أهلها، فتكون جاهلاً، ولا تمنعها من أهلها، فتكون ظالماً، ولا تكشف سرك عند كل أحد، فتصير مفتضحاً.
وقال ذو النون رحمه الله: رأيت رجلاً أسود يطوف حول البيت ويقول: أنت أنت أنت، ولا يزيد على ذلك اللفظ شيئاً، فقلت: يا عبدالله، أي شيء عَنَيْتَ به، فأنشأ يقول:
بين المحبينَ سِرٌّ ليس يُفشيهِ *** خَــطٌّ ولا قلــــمٌ عنــه فيحيكهِ
نــارٌ تقــابِلُهُ، أُنسٌ يمازِجُــهُ *** نورٌ يخبِّرُهُ عن بعضِ ما فيهِ
شوقي إليه ولا أبغي لـه بدلاً *** هــذي سرائــرُ كِتمانٍ تُناجيهِ

3 بين المحبينَ سِرٌّ ليس يُفشيهِ *** خَطٌّ ولا قلمٌ عنه iiفيحيكهِ
نارٌ تقابِلُهُ، أُنسٌ يمازِجُهُ *** نورٌ يخبِّرُهُ عن بعضِ ما iiفيهِ
شوقي إليه ولا أبغي له بدلاً *** هذي سرائرُ كِتمانٍ تُناجيهِ


*****************

الحديث العاشر

[ أول من يدخل الجنة]
أخبرنا الشيخ أبو طالب محمد بن علي، عن أبي القاسم علي بن أحمد الرزاز، قال أنبأنا أبوالحسين محمد بن مخلد في سنة ثمان عشرة وأربعمائة، قال: أنبأنا أبوعلي إسماعيل بن محمد الصفار، قال: أنبأنا الحسن بن عرَفة العبدي، قال: أنبأنا أبوالنضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آتى باب الجنة يوم القيامة فأستفتحُ، فيقول الخازن: مَن أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بِكَ أمرت أن لا أفتحَ لأحدٍ قَبلَكَ".
وقد علم أهل العلم بالله، أن الجنة التي هي باب الخير الإلهي الأبدي، لا تُفتح إلا بفتح محمد صلى الله عليه وسلم لها، فهو الفاتحُ لكل خيرٍ دنيوي وأخروي، والعلمُ بشأنه هو سر العلم بالله تعالى، فمن أراد أن يُفتح له أبواب الخير الدنيوي والأخروي فعليه أن يتعلق بأذياله صلى الله عليه وسلم، فإن في نفحاتها علم المعرفة.

((حقيقة علم المعرفة))

أي سادة، علم المعرفة هو العلم بالله تعالى، وهو نور من أنوار ذي الجلال، وخصلة من أشرف الخصال، أكرم الله به قلوب العقلاء، فزينها بحسن جماله، وعظيم شأنه، وخص به أهل ولايته ومحبته، وفضَّله على سائر العلوم، وأكثر الناس عن شرفه غافلون، وبلطائفه جاهلون، وعن عظيم خَطره ساهون، وعن غوامض معانيه لاهون، فلا يُدركه إلا أرباب القلوب الموفقون، وهذا العلم أساسٌ بُنيت عليه سائرُ العلوم، به يُنال خير الدارين، وعز المنزلين، وبه يَعرف العبد عيوب نفسه، ومِنَن ربه، وجلال ربوبيته، وكمال قدرته، به يطيرُ سِرُّ العبد بجناح المعرفة في سرادقات لطائف القدرة، ويجول حول منتهى العزة، ويرتعُ في روضات القدس، فلا تتم العلوم كلها دون امتزاج شيء منه بها، ولا تفسد الأعمال إلا بفقده، ولم تسكن إليه قلوبٌ نظر الله إليها بالرأفة والرحمة، وأمطر عليها أمطار الفهم والبلاغة، وطيبها برياحين اليقين والفِطنة، وجعلها موضع العقل والفراسة، وطهرها من أدناس الجهالة والغفلة، ونوَّرها بمصابيح العلم والحكمة، قال الله تعالى: (يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) ، وكل عارف يخشى الله تعالى ويتقيه على مقدار علمه بالله عز وجل، لقوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ، بنوره يعرف وساوس الشيطان، الدافعة إلى المعاصي والزلات، ويحذر به آفات الإرادات، قال الله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) ، وقال الله تعالى: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور).
وفي الخبر: "إن من العلم كهيئة المكنون المخزون، لا يعرفها إلا أهل العلم بالله، ولا ينكرها إلا أهل الغرَّة" ( الغفلة) 0
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "العلم بالله".

(( أفضل العباد ))

ورُوي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب، أي العباد أكثر حسنة، وأرفع درجة عندك؟ قال: أعلمهم بي. وقال الإمام الجليل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه: أعلم الناس بالله أشدهم تعظيماً لحرمة لا إله إلا الله، قال أبو الدرداء رضي الله عنه : من ازداد بالله علماً ازداد وَجَلا.
وروي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام: أن يا داود تعلم العلم النافع، قال: إلهي، وما العلم النافع؟ قال: أن تعرف جلالي وعظمتي وكبريائي، وكمال قدرتي على كل شيء، فإن هذا الذي يقربك إلي، وإني لا أعذر بالجهالة مَن لقيني.
وقيل لمحمد بن الفضل السمرقندي: ما العلم بالله؟ قال: أن ترى قضاءه في الخَلْق مُبْرَماً، والضر والنفع والعز والذل منه، وترى نفسَك لله، والأشياء كلها في قبضته، وأن لا تختار لنفسك غير اختيار، وتعمل لله خالصاً.
يا بني اجتهد في تعلم علم السر، فإن بركته كثيرة أكثر مما تظن، يا بني مَن تعلم علم العلانية دون علم السر هلك وهو لا يشعر. يا بني إن أردت أن يكرمك الله بعلم السر فعليك ببغض الدنيا. واعرف حرمة الصالحين، وأحكِم أمرك للموت، قال الله تعالى: (وقُل ربّ زدني علماً). * (وعلّمك ما لم تكن تعلم) * (وعلّمناه من لدنا علماً) إلا أنه قال في موضعٍ آخر: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا). فرُبَّ رجل كثير الروايات جاهل بالله، إنَّ عِلم المعرفة فضلٌ من الله يؤتيه من اصطفاه مِن خَلقِهِ، واجتباه لصُحبته.
جاء في الخبر: " العلمُ عِلمان، علم باللسان، وهو حجة الله على العباد،
وعلم بالقلب، وهو العلم الأعلى" لا يخشى العبد من الله إلا به وقال صلى الله عليه وسلم: "أشدكم لله خشية أعلمكم بالله".

(( درجات العلماء ))

وقال سفيان الثوري رحمه الله: العلماء ثلاثة: عالمٌ بأمر الله غير عالم بالله، فذلك العالم الفاجر الذي لا يصلح إلا للنار، وعالم بالله غير عالم بأمره، فذلك ناقص، وعالم بالله وبأمره به، فهو العالم الكامل.
قيل لبعض العارفين: ما سبيل معرفة الله؟ قال: ليس يُعرَف بالأشياء بل تُعرَف الأشياء به، كما قال ذو النون: عرفتُ الله بالله، وعرفتُ ما دون الله بنور الله.
وقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: إلهي، لولا أنت كيف كنتُ أعرف مَن
أنت؟ ومِثله عن رابعة العدوية قالت لذي النون: كيف عرفت الله؟ قال: رزقني الحياء، وكساني المراقبة، فكلما هممتُ بمعصية ذكرتُ جلال الله فاستحييت منه.

(( مثل المعرفة ))

مثل المعرفة كشجرة لها ستة أغصان، أصلها ثابت في أرض اليقين والتصديق، وفرعها قائم بالإيمان والتوحيد.
فأول أغصانها الخوف والرجاء مقرونين بغصن الفكرة.
والثاني: الصدق والوفاء مقرونين بغصن الإخلاص.
والثالث: الخشية والبكاء مقرونين بغصن التقوى.
والرابع: القناعة والرضاء مقرونين بغصن التوكل.
والخامس: التعظيم والحياء مقرونين بغصن السكينة.
والسادس: الإستقامة والوفاء مقرونين بغصن الود والمحبة.
ويتشعب من كل غصن ما لا نهاية له في العدد من أنواع الخير، والصدق في المعاملة، وأنس الصحبة، وفرائد القربة، وصفاء الوقت، وغير ذلك مما لا يصفه الواصفون، وعلى كل شعبة ثمار شتى، لا يشبه لون إحداها الأخرى ولا طعمها، تحتها أنوار التوفيق، جارية من ينبوع الفضل والعناية، والناس في ذلك على تفاوت الدرجات، وتباين الحالات0
فمنهم من أخذ بفرعها غافلاً عن أصلها، محروماً من أغصانها، محجوباً عن حلاوة ثمارها0
ومنهم من تمسك بفروعها0
ومنهم من أخذ بأصلها وأخذ كلها من غير أن يلتفت إلى كلها، لانفراده بوليِّهِ خالقها، مَن لم يكن له نور من سراج التوفيق، ولو جمع الكتب والأخبار والأحاديث كلها، لم يزدد إلا بُعداً ونفوراً، كمثل الحمار يحمل أسفاراً.

يُقال إن رجلاً جاء إلى الإمام علي عليه السلام فقال علمني من غرائب العلم، قال: ما فعلتَ في رأس العلم؟ قال: وما رأس العلم؟ قال: أعرفتَ ربك؟ قال نعم!0
قال: ما فعلتَ في حقه؟ قال ما شاء الله، قال: فانطلِق فأحكِم هذا، فإنْ أحكمته فَأْتِ أعلمكَ غرائب العلم، قيل: الفرقُ بين علم المعرفة وغيرها كالفرق بين الحي والميت.
يتع بعون الله00000000
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الطيبين الطاهرين
وارضَّ اللهم عن القائمين على هذا المنتدى المبارك عامة وارضَّ اللهم عن خادم هذا المنتدى خاصة وارزقه الصلاح والفتوح من عندك إنك علام الغيوب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://donia.bbgraf.com
 
كتاب حالة أهل الحقيقة مع الله لسيدي أحمد الرفاعي قدس سره
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دنيــــــــــــــــــــــــا :: منتدى الزوايا الصوفية والفتوحات الربانية-
انتقل الى: